مشاهدات جيولوجية في منطقة أيت مزال
-----------------------------------------
وأنا
أتجول في أحواز قريتنا (سيصيض) إحدى قرى قبيلة أيت مزال، وبينما أنا أسير في
الطريق الترابية القاصدة أطلال القرية القديمة، متأملا صنع الله في هذه الجبال (ايدرارن)
الأطلسية الضخمة، والمتنوعة التربة والصخرة، سواء في الألوان أو الأشكال، فهناك
تربة بيضاء وحمراء ورمادية، وهناك صخور بيضاء وسوداء وحمراء ورمادية، وهذه المدارج
الجبلية (اِيغرْمَانْ بالأمازيغية) التي بنتها سواعد أجدادنا في العصور الغابرة، للاستفادة
من الأمطار لريّ تربتها دون أن تضيع في المساقط المائية الى سافلة الجبل، ومسترجعا
في ذهني الأجيال البشرية التي عاشت واسترزقت من هذه الحقول الجبلية المتدرجة.
وفي
غمرة هذه الجولة، لفت انتباهي صخور بيضاء مطبوعة بنقط سوداء، منتشرة على مشمس (أي
شرق) جبل غير بعيد من أطلال قرية سيصيض القديم، يعرف لدى أهل القرية باسم (الدو
ايزيك واضاف) ومعناه بالعربية (تحت جرف الحراسة)، ودنوت من تلك الصخور لمعرفة لون
الطبعة السوداء التي تزينها، وعندما تحققت منها شاهدت عجبا لم أنتبه اليه لا أنا
ولا غيري من أهل البلد ولا حتى زوار المنطقة من السياح المغاربة والأجانب، طوال
زياراتي للمنطقة على مدى سنين عمري، فما هي هذه المشاهدات التي نمرّ عليها مر
الكرام :
إنها
رسوم نباتية دقيقة منقوشة على صخور بيضاء، بألوان ممزوجة بين الأسود والأزرق، والغريب
في الأمر أنها ليست صورا تخيلية رسمتها ريشة فنان، بل نباتات حقيقية ترسبت وسط
البيئة التي كانت نابتة فيها، وأطبقت عليها الطبقات الصخرية الرسوبية عبر الزمن، ثم
انكشفت في العصور المتأخرة بفعل عوامل التعرية التي تزيل غطاء التربة من الجبال بفعل
الأمطار والرياح، لتظهر هذه الأشكال من جديد، فمنها ما صار مثل بصمات كاملة
بأوراقها وأغصانها الدقيقة مطبوعة على الصخور البيضاء، ومنها ما حافظ على بقايا آثارها
الحية داخل الرواسب، لاحتوائها على أجزاء قوية من غصونها وأوراقها مقاومة بذلك لعوامل
التفكك والتحلل عبر الزمن بأنواعه المناخية، وهذا يدل على أنها كائنات عاشت بين
هذه الصخور، فما هي يا ترى؟
إنها
المستحاثات بالعربية، (Fossiles) باللاتينية، الاسم العلمي لبقايا الكائنات الحية القديمة المطمورة بين الصخور الرسوبية، والتي تطلق على العظام
والدروع والنباتات، التي تركت بصماتها متموضعة في الرواسب التي كانت تعيش فيها.
وبما
أن هذه المستحاثات الطبقاتية موجودة في هذه المنطقة الجبلية، فإنها ستساعد وتمكن
علماء الجيولوجيا من معرفة التأريخ النسبي للطبقات الصخرية الرسوبية المتواجدة
بكثرة في منطقة أيت مزال الواقعة ضمن سلسلة جبال الأطلس الصغير المسماة قديما
(جبال جزولة).
ويتطلب
تحديد نوعية هذه الكائنات المرسومة في الصخور، الدخول في علم الأحياء، لأنه هو
الوسيلة التي باستطاعتها معرفة شعبة ورتبة وفصيلة وجنس وعنصر النباتات المستحاثة أو
المنقرضة والمطبقة في الصخور المذكورة بالمنطقة، وهذا مجال علمي واسع، لا معرفة
لنا به، ولا نتطفل عليه، بل نتركه لأصحابه، وهم أدرى بفنونه، ونكتفي بعرض الصور
التي تقربنا من هذه المشاهدات الطبيعية الرائعة.
===================
تحرير : محمد زلماضي المزالي
*
* * *
*
* * *
* * *
*


